محمد محمد أبو ليلة

153

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وقد يكون جمع عليّ للقرآن ، بمعنى كتابته في صحف من حفظه ، كأن يكون كتب نسخة بنفسه خاصة به ؛ فقد أورد ابن النديم أيضا عن علي : " أنه رأى من الناس طيرة « 1 » عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم فأقسم أنه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن ، فجلس في بيته ثلاثة أيام ، حتى جمع القرآن ؛ فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه ، وكان المصحف عند أهل جعفر ؛ ورأيت أنا في زماننا عن أبي يعلى حمزة الحسنى - رحمه اللّه - مصحفا قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان ، " « 2 » . إذا اعتمدنا هذه الرواية يكون الإمام عليّ إذن ، هو أول من جمع القرآن ، بمعنى أنه كتبه لنفسه من حفظه ، ويكون جمعه للقرآن في صحف ، هو أول جمع بالنسبة لعلىّ لا غير ، وعلى أي حال ، فإن هذا الخبر لا يعنى إطلاقا أن القرآن لم يجمع في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقد مر بنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخبر أن القرآن المكتوب على الرقاع ، واللخاف ، والعظام ، كان في الرداء في الحجرة التي كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينام فيها . ونقل ابن النديم أيضا عن محمد بن إسحاق ، أن محمد بن الحسين كان رجلا جمّاعا للكتب ؛ وقد وجد في خزانته مصحفا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب على رضي اللّه ، ثم وصل هذا المصحف إلى أبى عبد اللّه بن حانى ؛ وبقي هذا المصحف محفوظا على الرغم من ضياع الكتب والوثائق المهمة والنادرة التي كانت في خزانة محمد بن الحسين « 3 » . وقد أشرنا من قبل إلى أن لفظة " القرآن " تستعمل في معنى " حفظ " وهي من قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ( القيامة : 17 - 18 ) .

--> ( 1 ) الطيرة والطيرورة أي الخفة والطيش قال الكميت : وحلمك عز إذا ما حلمت * وطيرتك الصاب والحنظل ( ابن منظور - لسان العرب - بيروت - دار صادر - 1410 - 1990 ) ج 4 ص 510 - 511 . ( 2 ) ابن النديم - الفهرست . ص 41 - 42 . ( 3 ) الفهرست ، ص 60 - 61 .